الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
155
مناهل العرفان في علوم القرآن
يحرم بما يمسّ صورته وطريق أدائه وكيفية لهجاته ، كما يحرم بما يمسّ جرهره وتغيير حروفه وكلماته وحركاته وترتيبه . أمر آخر : هو أن التيسير على الأمّة - وهي الحكمة البارزة في نزول القرآن على سبعة أحرف - لا يتحقق على الوجه الأكمل إلا بحسبان هذا الوجه الذي نوّه به الرازي ؛ وهو اختلاف اللهجات . بل هذا قد يكون أولى بالحسبان وأحرى بالرعاية في باب التخفيف والتيسير ؛ لأنه قد يسهل على المرء أن ينطق بكلمة من غير لغته في جوهرها ، ولا يسهل عليه أن ينطق بكلمة من غير لغته نفسها بلهجة غير لهجته ، وطريقة في الأداء غير طريقته . ذلك لأن الترقيق والتفخيم ، والهمز والتسهيل ، والإظهار والإدغام ؛ والفتح والإمالة ، ونحوها ، ما هي إلا أمور دقيقة ، وكيفيات مكتنفة بشيء من الغموض والعسر في النطق على من لم يتعوّدها ولم ينشأ عليها . واختلاف القبائل العربية فيما مضى ، كان يدور على اللهجات في كثير من الحالات . وكذلك اختلاف الشعوب الإسلامية وأقاليم الشعب الواحد منها الآن ، يدور في كثير من الحالات أيضا على اختلاف اللهجات . وإذن فتخفيف اللّه على الأمة بنزول القرآن على سبعة أحرف ، لا يتحقق إلا بملاحظة الاختلاف في هذه اللهجات . حتى إن بعض العلماء جعل الوجوه السبعة منحصرة في اللهجات لا غير ، كما يأتي . قال الإمام ابن قتيبة نفسه في كتاب المشكل ما نصّه : - « فكان من تيسير اللّه تعالى أن أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقرئ كل أمة ( لعله يريد بالأمّة القبيلة ) بلغتهم ، وما جرت به عادتهم ، فالهذلىّ يقرأ « عتّى حين » يريد ( حتّى حين » هكذا يلفظ بها ويستعملها ( أي يقلب الحاء عينا في النطق ) . والأسدي يقرأ « يعلمون ، ونعلم ، وتسودّ وجوه ، ألم أعهد » بكسر حروف المضارعة في ذلك كله ، والتميمي يهمز ، والقرشي لا يهمز . والآخر يقرأ « قيل لهم ، وغيض الماء » بإشمام الضم مع الكسر